ابن أبي الحديد
46
شرح نهج البلاغة
كان الفضيل جالسا وحده في المسجد ، فجاء إليه أخ له ، فقال : ما جاء بك ؟ قال : المؤانسة ، قال : هي والله بالمواحشة أشبه ، هل تريد إلا أن تتزين لي وأتزين لك ، وتكذب لي وأكذب لك ! إما أن تقوم عنى ، وإما أن أقوم عنك . وقال بعض العلماء : ما أحب الله عبدا إلا أحب ألا يشعر به خلقه . ودخل طاوس على هشام بن عبد الملك ، فقال : كيف أنت يا هشام ؟ فغضب ، وقال : لم لم تخاطبني بإمرة المؤمنين ؟ قال : لان جميع الناس ما اتفقوا على خلافتك ، فخشيت أن أكون كاذبا . فمن أمكنه أن يحترز هذا الاحتراز ، فليخالط الناس ، وإلا فليرض بإثبات اسمه في جريدة المنافقين إن خالطهم ، ولا نجاة من ذلك إلا بالعزلة . وأما سرقة الطبع من الغير ، فالتجربة تشهد بذلك ، لان من خالط الأشرار اكتسب من شرهم ، وكلما طالت صحبة الانسان لأصحاب الكبائر ، هانت الكبائر عنده وفى المثل : ( فإن القرين بالمقارن يقتدى ( 1 ) ) . ومنها الخلاص من الفتن والحروب بين الملوك والامراء على الدنيا . روى أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وآله ، أنه قال : ( يوشك أن يكون خير مال المسلم غنيمات يتبع بها شعاف الجبال ، ومواضع القطر ، يفر بدينه من الفتن ) . وروى عبد الله بن عمرو بن العاص ، أن رسول الله صلى الله عليه وآله ذكر الفتن ، فقال : إذا رأيت الناس قد مرجت عهودهم ( 2 ) ، وخفت أمانتهم ، وكانوا هكذا - وشبك
--> ( 1 ) أصله قول الشاعر : عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه * فكل قرين بالمقارن يقتدى . ( 2 ) مرجت عهودهم ، أي اختلطت . أملك عليك لسانك ، أي لا تجره إلا بما يكون لك لا عليك . وانظر النهاية لابن الأثير 4 : 87 ، 106 .